محمد حسين علي الصغير

190

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

« إبراهيم وقومه والتوحيد » وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26 ) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ( 27 ) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 28 ) . الآيات الثلاث تتحدث عن صلابة العقيدة ، ورسوخ أصالتها في نفس إبراهيم عليه السّلام فيما اقتص اللّه من خبره مع أبيه وقومه ، وفيها لمح إشاري إلى أن قريش وهي من ذرية إبراهيم عليه السّلام قد كان من الأولى لها أن تتبع ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين ، ففي الوقت الذي تدعي قريش محاكاة الآباء ، وتقليد الاسلاف ، فلما ذا تنحرف عن ملة أبيها ذي الحنيفية الغراء ، هذا الأب الذي أعلن عن عقيدته جهارا في التوحيد ، وقاسى من أجلها محاولة القتل والتحريق ، وقام بسبيلها بالهجرة والسياحة في الأرض ، حتى هجر أباه ، ونبذ قومه ، وصك الجميع بالبراءة من الوثنية وعبادتها ، وجابههم صراحة إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . فالعقيدة الاشراكية عند قريش يبرأ منها أبوهم ، ولم يقلد أباه ولا قومه فيما يعتقدون ، فلما ذا يقلدون هم إذن ، إنها حجة بالغة ، ومحاججة بلسان القوم ولغتهم في نسف العبادة التقليدية الموروثة ، فيا لها من صرخة تهز كيان المشركين وهم في ذروة الاحكام ، ونشوة الاعتداد بالآباء ، إذ يتبرأ من فوقهم الابن الضعيف في ظل الأب القوي ، والعشيرة المتطاولة المتكاثرة من عقيدة الجميع ، ويعلنها حقيقة بديهية في جموع الوثنيين والثنويين : إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ( 27 ) إنه الاقرار المطلق بالعبودية للّه ابتداء ، وبالعبادة له خالصة ، وبالتفويض إليه هداية ، بسبب فطري يفرضه الدليل الاستقرائي لمسيرته في الحياة وبعد الممات ، إنه أبدعه وخلقه وأنشأه ، ثم إذا شاء أنشره ، فهو المنفرد بالعبادة والألوهية ، وهو